“خطوة نحو تعزيز المصلحة الوطنية والتقدم الاقتصادي”
أ.م. علي مراد النصراوي / مركز الدراسات الاستراتيجية
تعود بداية ظهور الغاز في العراق، مع انتاج النفط في كركوك شمالي العراق، إلا أنَّ الاستفادة منه لم تتم إلا في مراحل متأخرة، ففي بداية السبعينيات جرى استثمار الغاز الطبيعي في أعقاب إنشاء محطات توليد الطاقة الكهربائية، كما في محطة (الناصرية، والهارثه ، وخور الزبير، والنجف، والحلة)، فضلًا عن البدء بإنشاء معامل، ومجمعات صناعة الأسمدة، والبتروكيماويات، وصناعة الحديد الصلب، وقد جرى تصدير الغاز إلى دولة الكويت، وبعض دول الجوار. ويمتلك العراق احتياطيًا كبيرًا من الغاز الطبيعي، وتشير التقديرات إلى أنَّ الاحتياطي يقدر بـ (۳,۸۱۹) ترليون متر مكعب في عام ٢٠١٦، والذي يشكّل ما نسبته بـ (1.9%) من إجمالي احتياط العالم، ويأتي في المرتبة العاشرة عالميًا. ويمثل الغاز المصاحب للنفط في العراق، ما نسبته (75%) من اجمالي الاحتياطي، ويقع في مناطق وسط البلاد وجنوبه، ونسبة (19%) هي من الغاز الحر، و(1%) من الغار الطبيعي . وقد ارتفع احتياطي العراق من الغاز الطبيعي من (٣٦٩٤) مليار متر مكعب، إلى (٣٧٤٤) ثم إلى (۳۸۲۰) خلال السنوات (۲۰۱۲) و(۲۰۱۷) و(۲۰۱۹). وكما موضحه في الجدول التالي :
( احتياطي العراق من الغاز الطبيعي خلال السنوات المذكورة )
احتياطي الغاز الطبيعي (مليار متر مكعب) السنة
3,694 2012
3,744 2017
3,820 2019
3,713.75 2023
( الجدول من اعداد الباحث بالاعتماد على ما يصدر من تقارير من وزارة النفط العراقية ووزارة التخطيط )
ويعدُّ الغاز الطبيعي ركيزة أساسية في مستقبل الاقتصاد العراقي، وبالرغم من عمليات الإحراق، وهدر مليارات من الدولارات دون الاستفادة منه، إلا أنَّه في الآونة الأخيرة أطلقت جولات تراخيص في سبيل استثمار الغاز، وتقليل عمليات الحرق، والشروع بذلك فعلاً، ومن المتوقع في غضون سنوات قريبة، أن يعتمد العراق على الغاز المحلي في سد حاجته، وتصدير الباقي، الأمر الذي سيوفر عائدات مالية كبيرة، فضلا عن أنَّ الغاز في العراق لو جرى إكمال الاستثمار الأمثل، سيكون عامل قوة للدولة تضاهي النفط، لكونه يدخل في العديد الصناعات، والمجالات الاقتصادية، بوصفه مصدرًا مهمًا للوقود، كونه لقيمًا للكثير من الصناعات، مثل: (الأسمدة، والبتروكيمياويات، والحديد والصلب، وتوليد الطاقة الكهربائية، ووقود للمنازل، ووسائل النقل، وغيرها) .
وبصورة عامة فإنَّ قطاع الغاز في العراق، يعد من ضمن عناصر قوة الدولة ومقوماتها، وذلك للأسباب الآتية :
⦁ يتمتع العراق، فضلًا عن ميزته النسبية في وفرة النفط والغاز، بمجموعة من نقاط القوة التي تساعد في التغلب على العقبات كافة، للنهوض بعملية استثمار الغاز الطبيعي، والتي تتركز في البنية التحتية والخبرة، إذ إنَّ للعراق تقليدًا طويلًا في المؤسسات العامة القوية، التي احتضنت ملاكات ذات قدرة وكفاءة، مع مجموعة تشريعات قانونية ذات أساس سليم، وأصبحت المستند إليه حتى في أحدث الاستثمارات للعراق.
⦁ للعراق قاعدة صناعية بدأت في سبعينيات القرن الماضي، مثل: صناعة الحديد والصلب، والبتروكيمياويات، والاسمنت، والورق، كذلك الملابس، والجلود، والأغذية، وغالبية تلك الصناعات تعمل بالوقود والغاز، لذلك عند استثمار الغاز، يجري الاستفادة من هذه الصناعات وتطويرها، لكون غالبية مقومات نجاحها من مواد أولية متوفرة، مع امتلاك العراق لسوق استهلاكي كبير، يستوعب المنتجات كافة لهذه المشاريع.
⦁ موقع العراق الجغرافي والاستراتيجي، إذ إنَّه يقع بين بلدان غنية بالنفط والغاز، وذات بعد استثماري، وهذا الأمر يسهل الاستفادة من الخبرات، أو تبادل المواد الأولية التي تدخل في استثمار الغاز، وهذا يؤهل العراق لإمكانية احتضانه للعديد من المشاريع، التي يكون فيها لاعبًا أساسيًا، هذا مع ما يوفره موقعه المتميز، من منافذ تصدير قائمة، ومستقبلية.
⦁ مع توافر المياه والأرض الصالحة للزراعة، بالإمكان توجيه عائدات الغاز نحو إحداث التنويع الاقتصادي، عبر دعم القطاعات الهيدروكربونية مع مجموعة من الخصائص الفنية والاقتصادية، وهذا يعطي العراق بعدًا تنافسيًا.
⦁ من ضمن مميزات الغاز في العراق، أنَّه قرب المكمن النفطي من سطح الأرض، ومن ثَمَّ يؤدي إلى ارتفاع انتاجية البئر النفطي، وهذا يسهم في خفض التكاليف الكلية، وارتفاع انتاجية الغاز المصاحب، والذي يمتاز بكلف استخراج صفرية .
⦁ في ظل انتشار الحقول، والمكامن النفطية، والغازية بمختلف مناطق العراق، وعدم تركزها في منطقة واحدة، هذا يعطي مرونة في الاستثمار، والتوزيع، والتصدير، والاستجابة لزيادة الطلب العالمي.
⦁ لا يزال الغاز يحرق في كثير من المواقع، بالرغم من أنَّ الحكومة توجهت أخيرًا نحو استثمار الغاز المصاحب، إذ لا تزال مناطق شاسعة غير داخلة ضمن النشاطات الاستكشافية، وهي أراضٍ واعدة بالمزيد من موارد النفط والغاز .
ومع تزايد المخاوف من فرض عقوبات دولية قد تؤثر على قدرة العراق على استيراد الغاز من إيران، أصبح من الضروري على الحكومة العراقية أن تبذل جهداً أكبر في استثمار وتنمية حقول الغاز المحلية. فالأمر لا يقتصر فقط على مواجهة تهديدات العقوبات، بل يتعدى ذلك إلى أهمية الغاز كمورد أساسي في تعزيز الاستقلالية الطاقية للعراق وضمان استقراره الاقتصادي على المدى الطويل. فالغاز الطبيعي يمثل عنصراً حيوياً ليس فقط لتلبية احتياجات العراق من الطاقة، بل أيضاً في دعم قطاع الصناعة والنقل والزراعة، ما يسهم في رفع مستوى التنمية الاقتصادية. إذ يعتبر الغاز من المصادر الرئيسية لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية التي تعتمد عليها البلاد بشكل كبير لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لكافة الأنشطة الحياتية. كما أن تعزيز إنتاج الغاز المحلي يساهم في تقليل الاعتماد على استيراد الغاز من الخارج، سواء من إيران أو من دول أخرى، مما يعزز من القدرة التنافسية للاقتصاد العراقي ويوفر سيطرة أكبر على قطاع الطاقة.
علاوة على ذلك، يُعتبر الاستثمار في حقول الغاز المحلية خطوة استراتيجية نحو تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل التبعية لإيرادات النفط، التي تظل المصدر الرئيسي للعائدات المالية في العراق. كما أن تطوير هذه الحقول يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتنمية البنية التحتية في المناطق الغنية بالموارد، فضلاً عن تحسين مستوى الحياة للمجتمعات المحلية.
وبذلك، يصبح من الضروري على الحكومة العراقية وضع خطط استراتيجية طويلة المدى لاستثمار موارد الغاز المتاحة، وتحقيق أقصى استفادة منها، سواء على مستوى الاقتصاد الوطني أو على مستوى توفير احتياجات الطاقة المحلية بشكل مستدام وآمن.
المصادر
⦁ كريم سالم حسن الغالبي، استثمار الغاز الطبيعي في العراق ضرورة تنموية، مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2018 .
⦁ رحيم حسوني زيارة، الآفاق المستقبلية لصناعة الغاز الطبيعي في العراق والفرص الاستثمارية المتاحة، مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، العدد94، المجلد22، 2016 .
⦁ حسين علي هاشم اللعيبي، نحو تطوير الصناعة النفطية العراقية بمشاركة القطاع الخاص، مجلة العلوم الاقتصادية جامعة البصرة، المجلد8، العدد30، 2012 .
⦁ وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2023 ، بغداد، الباب الثامن عشر ، الإحصاءات النفطية .




