م.د. ابتهال ناهي شاكر
كلية الادارة والاقتصاد – قسم الاقتصاد
يشهد العالم تحولاً جذريًا في أنماط العمل بفعل الثورة التي يشعلها الذكاء الصناعي (AI)، من أتمتة الوظائف الروتينية إلى توليد وظائف تتطلب مهارات عالية. ويُعد العراق أحد أبرز الدول التي يواجه سوقها محورية هامة في هذا التحوّل، وسط واقع اقتصادي هش وبنية تحتية متواضعة، وفي ظل فجوة تعليمية ومهارية. يستعرض هذا المقال أثر الذكاء الصناعي على سوق العمل في العراق، مبينًا أبرز التحديات والفرص، مع دعم بالوقائع والدراسات الحديثة.
أولًا: التحديات
⦁ انحسار الوظائف التقليدية
تشير الدراسات إلى أن نحو 25٪ من الوظائف الصناعية والتقليدية في العراق تعرضت للتراجع منذ 2020 نتيجة الأتمتة والرقمنة، بينما نما الطلب على المهارات الرقمية بنحو 40٪ . ويرجّح العالم أن 30٪ من الوظائف التقليدية العالمية مهددة بالأتمتة بحلول عام 2030، مما يزيد القلق في بلد تعتمد شريحته الواسعة من الشباب على هذه الوظائف.
⦁ الفجوة في المهارات الرقمية
تعاني القوى العاملة العراقية من نقص واضح في المهارات التقنية؛ حيث لا يتم تدريس الذكاء الصناعي وعلوم البيانات بشكل منهجي في الجامعات أو المعاهد التقنية. ونبّهت إحدى الدراسات إلى أن 64٪ من العراقيين يفتقرون للثقة بأن التعليم الحالي يوفر المهارات اللازمة لسوق العمل الرقمي. هذه الفجوة تترك الشركات عاجزةً عن تطوير حلول محلية وتعتمد على الكفاءات الخارجية، ما يزيد من كلفة التحول الرقمي.
⦁ ضعف البنية التحتية الرقمية
يُصنف العراق ضمن أضعف الدول في مؤشر استعداد الحكومات للذكاء الصناعي (GARI)، بسبب ضعف استراتيجية وطنية وتدهور بنية تقنية (اتصالات، بيانات، أمان) . معاناة البلاد من ضعف الإنترنت والأمن السيبراني يعوق تطبيق الذكاء الصناعي في الخدمات الحكومية والقطاعات الخاصة.
ثانيًا: الفرص
⦁ نشوء وظائف ذات مهارات تقنية متقدمة: – رغم تراجع بعض الوظائف التقليدية، فإن الذكاء الصناعي يفتح آفاقًا لقطاعات جديدة تتمحور حول تحليل البيانات، وتطوير الخوارزميات، والأمن السيبراني. وتشير تحليلات سوق العمل العالمية إلى زيادة في أعداد وظائف الذكاء الصناعي وتنامي الرواتب لهذه المهن. ولذلك، إذا استثمر العراق في تأهيل الكوادر، قد يحقق قفزة نوعية تعزز تنافسيته إقليميًا.
⦁ رفع الكفاءة وزيادة الإنتاجية: – يساهم الذكاء الصناعي في تعزيز القدرات التشغيلية للقطاعات الحيوية مثل النفط، والصحة، والزراعة. فبتوظيف تقنيات التحليل الذكي والتنبؤ، يمكن تحسين سلاسل الإمداد وتقليل الهدر، ما يولّد طلبًا جديدًا على أدوار تقنية داعمة، ويساهم في نمو اقتصادي نوعي.
⦁ تحفيز ريادة الأعمال والتحوّل الرقمي: – يشكل الذكاء الصناعي منصة حافزة أمام الشباب العراقي لتأسيس مشاريع تقنية في مجالات مثل التعليم الإلكتروني والتجارة الرقمية. وأبحاث محلية في إقليم كردستان أكدت أن توظيف تكنولوجيا المعلومات يدعم التشغيل الذاتي للشباب ويساهم في انتعاش الاقتصاد المحلي .
النظريات الاقتصادية الداعمة:
⦁ نظرية “الإبداع التدميري” (Creative Destruction) – جوزيف شومبيتر
تقترح هذه النظرية أن كل موجة تكنولوجية تُحدث تدميرًا للوظائف القائمة لكنها تخلق فرصًا جديدة أكثر كفاءة. ويمكن إسقاط هذه النظرية على الواقع العراقي، حيث إن الوظائف التقليدية (مثل الكتبة، المحاسبين اليدويين) قد تختفي، لكن ستنشأ وظائف محللي بيانات، ومهندسي نظم، ومصممي خوارزميات.
⦁ قانون المهارات المتغيرة (Skill-Biased Technological Change)
يشير إلى أن التكنولوجيا الحديثة لا تقتل الوظائف، بل تُغيّر نوعية المهارات المطلوبة. وهذا يتطلب من العراق تطوير رأس ماله البشري عبر التعليم الفني والمهني المرتبط بـ AI وعلوم البيانات.
ومن الأمثلة على سياسات دولية ناجحة:
⦁ الهند: أطلقت “مهمة الهند الرقمية” (Digital India Mission) التي وفّرت أكثر من مليون وظيفة رقمية في غضون 3 سنوات عبر دعم الشركات الناشئة وتحديث البنية التحتية، في بيئة قريبة من العراق من حيث التحديات السكانية والتعليمية.
⦁ سنغافورة: وضعت سياسة وطنية لتدريب 20 ألف موظف حكومي على الذكاء الصناعي عام 2020، مما خلق نظامًا إداريًا أكثر كفاءة وتقليلًا للاعتماد على الوظائف اليدوية.
اما الأمثلة لهذه السياسات محليا تتمثل بــ:-
⦁ قطاع الخدمات المصرفية في العراق: – ففي عام 2023، قامت بعض المصارف العراقية الكبرى مثل مصرف الرافدين بتطبيق نظم الدردشة الذكية للرد على العملاء، مما خفّض الحاجة إلى موظفي خدمة الزبائن بنسبة 15% في أول 6 أشهر فقط. ويعد هذا مثال عملي على ما تسميه الأدبيات الاقتصادية “التحول الهيكلي السريع في الوظائف ذات القيمة المضافة المنخفضة”.
⦁ دائرة الجوازات العراقية: – عند إدخال نظام الحجز الإلكتروني، اختفت العديد من الأدوار الوسيطة (الموظف الورقي، التسجيل اليدوي). هذا يتماشى مع ما يُعرف بـ “تأثير الأتمتة المباشرة” والذي سبق رصده في دول أخرى من الشرق الأوسط.
توصيات سياسية واستراتيجية
⦁ إطلاق استراتيجية وطنية للذكاء الصناعي تشمل وضع إطار حكومي يدعم البحث، البنية التقنية، وتنظيم البيانات.
⦁ تحديث المناهج الأكاديمية والتقنية عبر إدراج مقررات الذكاء الصناعي وعلوم البيانات، وتنظيم دورات تدريب عملي مدعوم من القطاعين العام والخاص.
⦁ تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، بما في ذلك تحديث شبكات الاتصالات، وإنشاء مراكز بيانات آمنة، وتقوية الأمن المعلوماتي.
⦁ تحفيز الابتكار وريادة الأعمال بمنح تمويل للمشاريع الناشئة في القطاع التقني وخلق تنسيق بين الجامعات والشركات والمجتمع المدني.
الخاتمة: –
من منظور اقتصادي بحت، لا يُمكن للعراق أن يواجه تحديات الذكاء الاصطناعي بنُظم سوق عمل تقليدية. إذ توضح نظريات مثل “الإبداع التدميري” أن التردد في تبني التكنولوجيات الحديثة لا يُجنّب فقدان الوظائف، بل يؤخر الاستفادة من وظائف المستقبل. من هنا، يصبح دعم الابتكار، وتحديث السياسات التعليمية، والاستثمار في البنية الرقمية شرطًا اقتصاديًا لاستقرار سوق العمل وليس مجرد خيار.
المراجع: –
⦁ Al‑Bujabir, H. H., Al‑Rubaie, Q. L. A., & Ahmed, M. S. (2024). Digital Transformation and the Potential for Labor Market Response in Iraq. World Economics and Finance Bulletin, 41, 72–81.
⦁ Alalaq, A. S. The Oxford Insights Government AI Readiness Index and the Case of Iraq. arXiv preprint, (2025). Mar 26, arXiv:2403.11022.
⦁ “Iraq Lags in AI Readiness as Neighbors Advance”, Kurdistan24, 2025.
⦁ Bapir, A. Kh., & Ahmed, M. S. Effect of Information Technology on Job Creation in the Kurdistan Regional Government of Iraq. arXiv preprint, May 2025.
⦁ Drydakis, N. Artificial Intelligence and Labor Market Outcomes. IZA World of Labor. (2025).
⦁ Zyaer, H. S. The Impact of Technological Changes on the Labor Market in the Iraqi Digital Economy. American Journal of Economics and Business Management, (2025). 8(4), 1615–1627.



