م.د. علي فاضل محمد
كلية التربية للعلوم الصرفة – قسم الفيزياء
⦁ مقدمة
تعتبر البلازما الحالة الرابعة للمادة، وهي تختلف عن الحالات الثلاث المعروفة: الصلبة والسائلة والغازية.. فما هي البلازما، ولماذا ينبغي علينا الاهتمام بالتعرف عليها؟
لنبدأ بتجربة فكرية. لنفترض كتلة من الجليد. عند تسخينها، يتحول الجليد إلى ماء. ومع زيادة التسخين، يتحول الماء السائل إلى بخار ماء، أي الحالة الغازية. ماذا يحدث عندما نُسخّن الغاز أكثر؟ عند تسخين كافٍ، يتحول الغاز الساخن إلى بلازما. لذا، فالبلازما، في جوهرها، حالة غريبة تتكون من خليط من الإلكترونات والذرات المشحونة والذرات المتعادلة.
في الواقع، نحن محاطون بالبلازما، فهي جزء أساسي من الكون. في حياتنا اليومية، نصادف البلازما على شكل شفقٍ قطبيٍ جميلٍ وإضاءة في السماء. إضافةً إلى ذلك، عند مغادرة الغلاف الجوي لكوكبنا، نصادف البلازما في الشمس والنجوم والرياح الشمسية، وهي جميعها مكوّنة من البلازما. تُشكل البلازما ما يقرب من 99% من المادة المعروفة في الكون، مما يترك 1% فقط من الحالات الثلاث العادية للمادة.
تُعد البلازما الحالة الرابعة من حالات المادة، وتتميز بكونها غازًا مؤينًا يتكون من جسيمات مشحونة (إلكترونات وأيونات) وجزيئات متعادلة. من بين أنواع البلازما، تحظى البلازما الباردة أو ما يُعرف بـ”البلازما غير الحرارية” باهتمام متزايد، نظرًا لقدرتها على العمل في درجات حرارة منخفضة نسبيًا، تقارب درجة حرارة الغرفة. وتُعد هذه الخاصية مثالية للعديد من التطبيقات الحساسة، خاصة في المجالات الطبية والغذائية والبيئية، حيث تتطلب العمليات الحفاظ على سلامة المواد المعالجة من التلف الحراري.
تتسم البلازما الباردة بعدم التوازن الحراري، حيث تكون درجة حرارة الإلكترونات عالية (عدة إلكترون فولت)، في حين تظل درجة حرارة الأيونات والجزيئات قريبة من حرارة الوسط المحيط. يتم توليد هذا النوع من البلازما باستخدام تقنيات مثل تفريغ الحاجز العازل (Dielectric Barrier Discharge – DBD) أو نفاثات البلازما (Plasma Jets). وتُستخدم غازات خاملة أو نشطة مثل الهيليوم، الأرجون، أو الهواء لتكوين الوسط البلازمي المطلوب.
في التجربة الفكرية السابقة، تم إنتاج البلازما عن طريق تسخين الغاز، مما قد يُفضي إلى الاعتقاد بأن البلازما تكون دومًا مرتفعة الحرارة بطبيعتها. غير أن هذا التصور ليس دقيقًا، إذ لا تُعدّ جميع أنواع البلازما ذات درجات حرارة مرتفعة. قبل الخوض في مزيد من التفاصيل، من المفيد مراجعة مفهومي “درجة الحرارة” و”الحرارة”. من الأخطاء الشائعة افتراض أن ارتفاع درجة الحرارة يرتبط دومًا بزيادة كبيرة في الطاقة الحرارية. عند تقييم مدى سخونة أو برودة مادة معينة، لا بد من أخذ سعتها الحرارية إلى جانب درجة حرارتها بعين الاعتبار. فعلى سبيل المثال، تبلغ درجة حرارة الإلكترونات داخل مصباح الفلورسنت حوالي 20,000 كلفن، إلا أن المصباح لا يبدو ساخنًا عند لمسه. ويُعزى ذلك إلى انخفاض عدد الإلكترونات ذات درجة الحرارة العالية داخل المصباح مقارنةً بكثافة جزيئات الهواء عند درجة حرارة الغرفة، مما يجعل إجمالي الطاقة الحرارية المنقولة إلى جدار المصباح بفعل اصطدام الإلكترونات ضئيلًا للغاية. ونتيجة لذلك، تظل درجة حرارة جدار المصباح قريبة من حرارة الغرفة نظرًا لانخفاض السعة الحرارية للبلازما الموجودة داخله. ويمكن الاستشهاد بمثال آخر يتمثل في سقوط رماد سيجارة على الجلد؛ فرغم أن الرماد قد يكون في درجة حرارة مرتفعة، إلا أن كمية الطاقة الحرارية المنتقلة إلى الجلد تكون محدودة، مما يمنع حدوث حروق فورية.
تُعرف البلازما الباردة (أو البلازما غير المتوازنة حراريًا) بأنها تلك التي تتباين فيها درجات حرارة مكوناتها المختلفة. ففي هذا النوع من البلازما، تكون الإلكترونات في حالة طاقة حرارية مرتفعة (تتجاوز 10,000 كلفن)، بينما تبقى الذرات المتعادلة عند درجات حرارة منخفضة تقارب درجة حرارة الغرفة. وبما أن كثافة الإلكترونات عادة ما تكون منخفضة مقارنة بكثافة الذرات المتعادلة، فإن التأثير الحراري الكلي للبلازما يكون محدودًا. يُنتَج هذا النوع من البلازما في المختبرات عن طريق تطبيق طاقة كهربائية على غازات خاملة، ويمكن تحقيق ذلك في ظروف درجة حرارة وضغط جوي طبيعيين، مما يُلغي الحاجة إلى أنظمة تسخين أو ضغط معقدة ومكلفة. وهذا يجعل تقنية البلازما الباردة سهلة الوصول نسبيًا من الناحية التقنية والمادية. وتبرز للبلازما الباردة ميزتان رئيسيتان تثيران الاهتمام العلمي: أولًا، توفر هذه البلازما مصدرًا للإلكترونات ذات الطاقة العالية في ظروف بيئية معتدلة. ثانيًا، يُنتج تفاعل البلازما الباردة مع بيئات مفتوحة أو مضبوطة عددًا كبيرًا من الأنواع الكيميائية التفاعلية، والتي يمكن تسخيرها في تطبيقات كيميائية متعددة ضمن مجالات علمية متنوعة.
رسم توضيحي 1 صورة لعمود البلازما الباردة ومعالجته للميكروبات
⦁ التطبيقات المتقدمة للبلازما الباردة
2-1 في المجال الطبي
برزت البلازما الباردة كأداة فعالة في مجالات الطب الحيوي، خصوصًا في التعقيم، وتسريع التئام الجروح، ومعالجة بعض الأورام. ويُعزى ذلك إلى إنتاجها لأنواع الأوكسجين والنيتروجين النشطة (Reactive Oxygen and Nitrogen Species – RONS) التي تمتلك قدرة عالية على القضاء على الميكروبات دون التأثير السلبي على الأنسجة السليمة.
ادناه رابط فديو لمعالجة البكتريا بواسطة البلازما الباردة
https://youtube.com/shorts/oZ3jexv0Xts
رسم توضيحي 2 a مخطط توضيحي بسيط لمنظومة البلازما الباردة b صورة لالتماس عمود البلازما مع الجلد
2-2 في صناعة الأغذية
تُستخدم البلازما الباردة لتعقيم الأغذية والأسطح الملامسة لها دون الحاجة إلى معالجات حرارية أو كيميائية، ما يساعد في إطالة فترة الصلاحية مع الحفاظ على الصفات الحسية والقيم الغذائية. كما تُعد هذه التقنية بديلًا مستدامًا للطرق التقليدية في الصناعة الغذائية.
2-3 في الزراعة
أظهرت البحوث الحديثة أن البلازما الباردة تُساهم في تحسين معدل إنبات البذور، وتحفيز نمو النباتات، وتعزيز مقاومتها للأمراض، مما يدعم الزراعة المستدامة ويقلل من الاعتماد على المبيدات والأسمدة الكيميائية.
2-4 في التطبيقات البيئية
تُعد البلازما الباردة تقنية واعدة في مجال معالجة الملوثات البيئية، بما في ذلك إزالة المركبات العضوية المتطايرة (VOCs) وتنقية المياه من المواد السامة. كما تساهم في خفض الانبعاثات الضارة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالبيئة.
⦁ الاستنتاج
توفر تقنيات البلازما الباردة حلولًا متعددة ومبتكرة في مجالات متنوعة، بما في ذلك الطب، والصناعات الغذائية، والزراعة، وحماية البيئة. وتُعد مزاياها مثل التشغيل في درجات حرارة منخفضة، وتوليد أنواع نشطة كيميائيًا، وقدرتها على التفاعل الانتقائي مع المواد، من أبرز العوامل التي تجعلها خيارًا استراتيجيًا للعديد من التحديات التقنية المعاصرة. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال، من المتوقع أن تتسع تطبيقات البلازما الباردة لتشمل مجالات إضافية، وتُحدث تحولات جوهرية في العديد من القطاعات الصناعية.
References:
⦁ Fridman, Alexander. *Plasma Chemistry*. Cambridge University Press, 2008.
⦁ Keidar, Michael, et al. “Cold Plasma Selectively Ablates Cancer Cells in a Mouse Model of Glioma.” *Journal of Clinical Investigation*, vol. 121, no. 9, 2011, pp. 3159–3167.
⦁ Misra, N., et al. “Cold Plasma in Food and Agriculture: Fundamentals and Applications.” *Food Engineering Reviews*, vol. 8, no. 2, 2016, pp. 92–108.
⦁ Shenton, M. J., and Stevens, G. C. “Surface Modification of Polymer Surfaces: Atmospheric Plasma Versus Vacuum Plasma Treatments.” *Journal of Physics D: Applied Physics*, vol. 34, no. 18, 2001, pp. 2754–2760.
⦁ “Cold Plasma in Medicine and Healthcare.” *Frontiers in Physics*, 2020.
⦁ “Application of Cold Plasma Technology in the Food Industry.” *ScienceDirect*, 2021.
⦁ “Applications of Atmospheric Cold Plasma.” *SpringerLink*, 2022.





