You are currently viewing قلب الطاولة -استراتيجية أمريكية: حرب التعريفات الجمركية السيناريوهات والخيارات

قلب الطاولة -استراتيجية أمريكية: حرب التعريفات الجمركية السيناريوهات والخيارات

أ.د. عمار محمود حميد الربيعي
كلية الإدارة والاقتصاد – قسم الاقتصاد

تعد الولايات المتحدة الامريكية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر صاحبة المركز لأول اقتصاديا وعسكريا وسياسيا. ويبرز ذلك في انها تحتل موقع الاقتصاد الأكبر من حيث حجم الناتج المحلي، وعدد براءات الاختراع والذي ينعكس في صورة تدفق ضخم وسريع من المنتجات والمواصفات، وامتلاكها أكبر الاحتياطات من الأصول المالية الدولية، وأكبر قطاع خاص في العالم. فضلا عن امتلاكها لأكبر ترسانة عسكرية من حيث العدد والنوع والتكنولوجيا وتخصيصات الانفاق المالي، كما ان الولايات المتحدة لديها جهد سياسي قوي ومؤثر على صعيد الدبلوماسية والتدخل في الشؤون الدولية والمفاوضات والتسويات والعقوبات وغيرها.
لا تعد لسطور أعلاه مديحا، او ما يليها من سطور ذما، انما الهدف منها قراءة الواقع قراءة موضوعية مجردة من العواطف والأيدولوجيا. يتسم ميزان المدفوعات الأمريكي على مدى سنوات بعجز في ميزانه التجاري المتصل بالحركة الخارجية للسلع، يقابله فائض في حسابه المالي المرتبط بحركات رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة وطويلة الاجل. على غير العادة لا يفسر دائما عجز الميزان التجاري انعكاسا لأوضاع تجارية سيئة مع العالم الخارجي، وفي حالة الولايات المتحدة فان عجز الميزان التجاري يمثل انعكاس للدخل الحقيقي العالي للمقيمين، فضلا عن ان جزء كبيرا من الانتاج المحلي يستوعبه السوق الداخلي، اما فائض الحساب المالي فيعكس ثقة الأجانب بالاقتصاد والبيئة الاستثمارية الأمريكية، في ظل قطاع قائد للخدمات والتكنولوجيا، ويعوض فائض الحساب المالي عجز الميزان التجاري لصافي التغير السنوي لمجمل حسابات ميزان المدفوعات.
ويبرز في خضم ذلك الدولار كعملة دولية قيادية تستمد رافعتها فمن القوة الإنتاجية الداخلية وبيئة الاعمال، والقوة الإنتاجية الخارجية للشركات الامريكية عابرة القومية.
دأبت الولايات المتحدة على تبني سياسة قلب الطاولة والازدواجية في التحرك في المسارات السياسية والسياسات الاقتصادية في إطار موقعها كقوة عظمى. تاريخيا حيث قامت الولايات المتحدة بتشريع وتطبيق قانون سموت هاولي للتعريفة الجمركية عام 1930، على إثر ازمة الكساد العظيم التي انتابت العالم الرأسمالي، فارتفعت التعريفات الجمركية بقصد حماية الصناعات المحلية والتي قاد الى تدهور ميزان المدفوعات للدول المتاجرة معها. وبهذا فان الولايات المتحدة قد قلبت الطاولة على إجراءات حرية التجارة المعتادة واقحمت العالم بحرب تجارية وسياسات الرد بالمثل مما أدى الى تباطؤ التجارة الدولية وتعميق حالات الركود.
وبعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، اجتمعت الدول الصناعية بقيادة أمريكا لرسم ملامح الاقتصاد العالمي لما بعد الحرب ، اذ تم معالجة قضايا استقرار أسعار الصرف وتسوية عجوزات موازين المدفوعات من خلال انشاء صندوق النقد الدولي ، كذلك تم معالجة مسالة تمويل اعمار اوربا من خلال انشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، ولكن هذا الأخير لم يرى النور اذ قامت الولايات المتحدة بقلب الطاولة مرة أخرى ، وتم سحب البساط لصالح مشروع مارشال الأمريكي والذي قام بدور تمويل اعمار اوربا بدلا من البنك الدولي للإنشاء والتعمير . حيث رأت الولايات المتحدة ان اعمار اوربا من خلال مؤسسة دولية لا يعطيها البصمة الكافية للتحكم والنفوذ الاقتصادي والسياسي وكانت الدول العظمى قد ارتأت ان ترتيب الأوضاع التجارية لما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال العودة الى عصر ما قبل الحرب حيث كانت التجارة حرة من دون قيود تحد من حركتها. وقد كان من مخرجات اجتماعها في بريتون وودز ا يتم انشاء منظمة التجارة الدولية ITO والتي تتطلب اقرارا تشريعيا من الدول الأطراف. وهنا عادت الولايات المتحدة الى قلب الطاولة من جديد، اذ ارتأت عدم الموافقة على عرض وثيقة انشاء المنظمة على الكونجرس الأمريكي لإقراره في ظل إدارة الرئيس الأمريكي ترومان في 6/ 12/ 1950. وكان عدم الموافقة هذا ناجما من عدم الرغبة، في حينه، التقيد باتفاق دولي ذي صفة ملزمة خاصة وان الولايات المتحدة خرجت بعد الحرب كأكبر اقتصاد بالعالم وبقاعدة إنتاجية ضخمة وتهيأ لها الطريق لقيادة الاقتصاد العالمي في ظل النزوح الى النزعة الوطنية وعدم التفريط بالسيادة. وفي ظل هذه التداعيات كانت الولايات المتحدة تعقد اجتماعات لبلورة التجارة الدولية وفق قالب أكثر ملائمة لنزعاتها حيث ولدت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة GATT عام 1947 والتي تحولت فيما بعد الى منظمة التجارة العالمية WTO عام 1995.
فيما يتصل في التزام الولايات المتحدة بنظام بريتون وودز لاستقرار أسعار الصرف والقائم على صرف الدولار بالذهب، اذ يتم وفق هذا النظام تغطية الدولار بالذهب، اما باقي عملات الدول الأخرى فيتم تغطية عملتها بالدولار الأمريكي. اذ يعمل هذا النظام على استقرار أسعار صرف العملات بعضها ببعض على أساس نسب التغطية لثابتة لكل عملة بالدولار او الذهب. وهنا عادت الولايات المتحدة لقلب الطاولة عام 1971 حيث أعلنت قرارها بشكل أحادي ومنفرد في عهد رئيسها نيكسون من خلال تخليها عن التزامها بتحويل الدولار الى ذهب مما أدى الى انهيار نظام بريتون ودز لاستقرار أسعار الصرف ولأسباب معروفة أهمها انخفاض احتياطات الولايات المتحدة من الذهب العجوزات التجارية الكبيرة امام شركائها التجاريين خاصة مع اليابان والدول الاوربية آنذاك.
وفي اليوم الثاني من ابريل/نيسان الجاري 2025 أعلنت الولايات المتحدة على يد رئيسها الحالي دونالد ترامب عن حزمة من التعريفات الجمركية تفرضها على مستورداتها من شركاؤها التجاريين لأغلب دول العالم في ضربة قاضية وتقويض صريح لنقاط التوازن التجاري القائمة في ظل منظمة التجارة العالمية (وقلب لطاولة التفاهمات) واعراف التجارة الدولية التي تجري في ظلها. اذ افاقت دول العالم الصديقة قبل العدوة على صوت مفاجئ لطبول الحرب التجارية التي تشنها أمريكا. في هذا الصدد هنالك سيناريوهان لتأثير التعريفات الجمركية المفروضة نود ان نبينها، الأول قصير الاجل والثاني طويل الاجل.
فيما يتعلق بالسيناريو طويل الاجل فان التأثير سوف يمتد الى تعطيل منظومة التجارة العالمية وسحب البساط من تحتها وفقد الثقة بها كناظم في تسيير حركة التجارة العالمية لصالح اتفاقيات تجارية قائمة على أساس من الأحادية والثنائية ، اذ ان الولايات المتحدة ترى بان منظومة التجارة العالمية في شكلها الحالي لا تخدم مصالحها من خلال الالتزامات الدولية ببنودها وازياد القدرات التنافسية لشركائها التجاريين خاصة من جانب التنين الصيني ، وها يعني انها سوف يتم إعادة ترتيب التجارة الدولية وفق اساق وانماط جديدة يمليها الواقع الاقتصادي العالمي المتغير .
السيناريو قصير الاجل حيث يتضمن اتجاهين محتملين. الأول يقود الى انخفاض القدرة التصديرية للأطراف المتاجرة مع الولايات المتحدة، وانخفاض العجز التجاري الأمريكي، زيادة الطاقات الإنتاجية المحلية، ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة الداخلة الى الولايات المتحدة الهادفة الى الاستثمار او الهادفة للتخلص من التعريفات. فضلا عن تحقق زيادة الوظائف، وارتفاع في الإيرادات الجمركية الحكومية. قد يكون هنالك سعي من بعض الصناعات الدولية الى القيام بأجراء تخفيضات في أسعار صادراتها الى الولايات المتحدة للحفاض على الأقل على ذات صادراتها السابقة وهذا ما يسمى في (اقتصاديات السياسة التجارية) بأثر التعريفة الجمركية للبلدان الكبيرة جدا. الاتجاه المحتمل الثاني، يتضمن على حصول ارتفاع في أسعار السلع لدى المستهلكين الأمريكيين وخاصة وانه قد تعودا على استيراد الكثير من السلع بأسعار تنافسية مناسبة من الخارج. كذلك سوف ينخفض الاستهلاك الوطني. يمكن ان يتجه المصدرون الى الولايات المتحدة الى بناء شراكات تجارية مع دول وكيانات دولية أخرى لتعويض خسارة الصادرات الى أمريكا. قد يشجع ذلك أيضا الى تقوية النزعات الدولية الى ضرورة بناء نظام دولي جديد قائم على تعدد القطبية، ويمكن ان يتم السير بسرعة أكبر في وتائر نمو أنشطة تنظيمات دولية، في هذا السبيل، ومن أهمها تكتل البريكس BRICS.
فيما يتعلق بالعراق فان معدل التعريفة الجديدة المفروضة على الصادرات العراقية والمقدرة 31% سوف لن تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي اذ ان العراق يعتمد في صادراته على النفط الخام بشكل رئيس وهو غير مشمول بالتعريفة كونه سلعة خاصة ويخضع الى أساليب بيع وفق عقود وتوريدات معينة. هنالك بعض السلع العراقية المصدرة الى الولايات المتحدة مثل التمور المعلبة وبعض المعلبات والحلويات وهي من الصغر بحيث لا يمكن ذكرها في مجمل الصادرات العراقية، وهذه لن تتأثر كثيرا بالتعريفة، وحتى وان تأثرت فهي تعود الى بعض مالكي المنشآت الصغيرة التي تنتجها. لكن يمكن ان تؤثر لتعريفات الجمركية الامريكية بشكل عام على كافة الدول على أسعار النفط الدولية بالانخفاض بسبب ان تقييد التجارة العالمية بالتعريفات الجديدة يؤدي الى تباطؤ التجارة العالمية ومن ثم تباطؤ في نمو الاقتصادات والاستثمارات وبالتالي في الطلب على النفط الخام خاصة مع موجات السلوك النفسي السريعة حاليا. وحسب تقديرنا المتواضع ان هذا الامر سوف لن يدوم في اسوء حالاته عن فترة سنة، ثم تعاود أسعار النفط طريقها نحو الارتفاع بسبب قيام الأسواق والتجارة الدولية بإعادة ترتيب نفسها وفقا للنمط العالمي الجديد.

المصادر:
1-WTO. (2025). https://www.wto.org/english/news_e/news_e.htm
2-IMF(2025). Global Trade and Geopolitics. https://www.imf.org/en/Publications/fandd/issues/2025/03/book-review-global-trade-and-geopolitics-elizabeth-van-heuvelen
3-James Gerber. (2014). International Economics. published by Pearson Education,6th Edition.