You are currently viewing الكيمياء الحيوية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة

الكيمياء الحيوية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة

الهدف 2: القضاء على الجوع:

الهدف 3: ضمان حياة صحية جيدة

https://sdgs.un.org/goals/goal2

https://sdgs.un.org/goals/goal3

ا.م.د. زينة عبد الأمير مهدي

Zena.a.mahdy@uokerbala.edu.iq

قسم الفيزياء الطبية / كلية العلوم الطبية التطبيقية / جامعة كربلاء

الكيمياء الحيوية هي مفتاح أساسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في مواجهة التحديات الصحية العالمية. ومن المنظور الكيميائي الحيوي، فإن التنمية المستدامة ترتبط بالعالم الجزيئي أكثر مما هي مفهوم سياسي. فهي تؤثر في صحة الإنسان، وشدة المرض ، ونظم الرعاية الصحية. سيتناول هذا المقال الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد، والهدف السابع المعني بالطاقة النظيفة وبأسعار معقولة، والهدف الثالث عشر المرتبط بالعمل المناخي. وترتبط جميع هذه الأهداف بآليات كيميائية حيوية تؤثر في الوظائف الأيضية، والإجهاد التأكسدي، وقدرة الخلايا على التكيّف والبقاء.

تُظهر التقارير العالمية الحديثة لمنظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية مثل السكري، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، والسرطان، ترتبط سببيًا بالعوامل البيئية ونمط الحياة على المستوى الجزيئي (WHO, 2023). ويكمن أساس المرض في اضطراب المسارات التي تنظّم إشارات الإنسولين، وحدوث خلل في استقلاب الطاقة الحيوية داخل المايتوكندريا، وتوازن الأكسدة والاختزال مما يؤدي الى تغير الاشارات الخلوية. ومن خلال فهم هذه المسارات، يمكن لعلماء الطب الحيوي تصميم استراتيجيات تنبؤية بدلاً من الاقتصار على الاستراتيجيات العلاجية في نظم الرعاية الصحية المستدامة.

الإجهاد التأكسدي، الرابط الخفي بالاستدامة

يُعد الإجهاد التأكسدي أحد أهم الروابط بين الكيمياء الحيوية والاستدامة. فالملوثات البيئية مثل الجسيمات العالقة والمعادن الثقيلة تحفّز توليد أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS)  تسمى ايضا بالجذور الحرة  التي تُلحق الضرر بالحمض النووي والبروتينات والدهون. وقد أظهرت مراجعات حديثة نُشرت في مجلات طبية حيوية عالية التأثير خلال السنوات الخمس الماضية أن التعرض المزمن لتلوث الهواء يؤدي إلى زيادة بيروكسدة الدهون، ويقلل في الوقت نفسه من تطور آليات الدفاع المضادة للأكسدة. ونتيجة لذلك تظهر المتلازمات الأيضية والتنكسات العصبية وتؤكد هذه النتائج وجود ارتباط مباشر بين الهدف الثالث عشر (العمل المناخي) والهدف الثالث (الصحة الجيدة والرفاه)، مما يثبت أن حماية البيئة تمثل تدخلاً صحيًا على المستوى الجزيئي.

التغذية المستدامة وكيمياء الطاقة

علاوة على ذلك، فإن التغذية المستدامة، وهي مجال بحثي ناشئ، تعزز أهمية النظام الغذائي النباتي لما يحتويه من مركبات بوليفينولات وفلافونويدات وعناصر دقيقة أساسية ذات قيمة كيميائية حيوية عالية. وتنظم هذه المركبات الفعالة حيويًا التعبير الجيني، وتعدّل المسارات الالتهابية، وتزيد من نشاط الميتوكوندريا ويسهم هذا النمط الغذائي في تقليل عبء الأمراض المزمنة بوسائل كيميائية حيوية، كما يقلل الأثر البيئي عبر خفض الاعتماد على نظم إنتاج الغذاء كثيفة الموارد. وهكذا تربط الكيمياء الحيوية الغذائية بين الهدف الثاني (القضاء على الجوع) والهدف الثالث والهدف الثاني عشر.

ويمثل أيض الطاقة جانبًا كيميائيًا حيويًا آخر مهمًا للاستدامة. فالتحول نحو الطاقة النظيفة (الهدف السابع) له تأثير مباشر في صحة الإنسان، لأنه يقلل من التعرض للسموم الناتجة عن الاحتراق والتي تعيق عمل إنزيمات السيتوكروم P450 ومسارات إزالة السموم. وقد أظهرت دراسات حديثة أن الهواء الأنقى يحسّن وظيفة الميتوكوندريا ويخفض الالتهاب الجهازي. وقد درست هذه الأبحاث مجموعات سكانية تعرضت لمستويات أقل من التلوث، فتبين تحسن أنماط الدهون لديها وانخفاض مؤشرات الإجهاد التأكسدي وتؤدي هذه الفوائد الجزيئية إلى تقليل تكاليف الرعاية الصحية وزيادة الإنتاجية المجتمعية.

التعليم هو اداة المستقبل

يُعد التعليم، ولا سيما في العلوم الطبية التطبيقية، عنصرًا جوهريًا لتحقيق التنمية المستدامة. فالهدف الرابع (التعليم الجيد) لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشمل تنمية مهارات تجمع بين الكيمياء الحيوية وعلوم البيئة والصحة العامة. ويجب أن يتجاوز التعليم المعاصر في الكيمياء الحيوية مجرد حفظ المسارات الأيضية ليشمل علم الأحياء النظمي، وتقنيات “الأوميكس”، ومنهجيات البحث الانتقالي.

ويشير تقرير صادر عن اليونسكو عام 2023 إلى أن التعليم العلمي متعدد التخصصات يزيد بدرجة كبيرة من القدرة على الابتكار، ويساعد الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط على إيجاد حلول صحية مستدامة على المدى الطويل.

كما تُعد الممارسات المخبرية الخضراء جزءًا مهمًا من الاستدامة في العلوم الطبية التطبيقية. فالمختبرات الكيميائية الحيوية التقليدية تستهلك كميات كبيرة من البلاستيك والطاقة والكواشف الكيميائية. ويمكن لاستخدام الفحوصات الدقيقة الحجم، والمعدات الموفّرة للطاقة، والمواد القابلة للتحلل الحيوي أن يقلل بدرجة كبيرة من الأثر البيئي دون الإخلال بدقة الاختبارات. وفي السنوات الأخيرة، حظي مفهوم “الكيمياء الحيوية الخضراء” باهتمام متزايد مع سعي المختبرات لتحقيق التوازن بين التميز العلمي والمسؤولية البيئية.

الكيمياء الحيوية الخضراء والتحديات المناخية

كما يؤثر تغيّر المناخ في انتشار الأمراض المعدية على المستوى الجزيئي. فالتغيرات في درجات الحرارة تؤثر في نمو الكائنات الدقيقة، ووظائف الإنزيمات، وأنماط حياة النواقل، مما قد يؤدي إلى ظهور أنماط مرضية جديدة. وتُعد الدراسات الكيميائية الحيوية لاستقلاب العوامل الممرضة واستجابات المناعة لدى المضيف ضرورية لوضع استراتيجيات صحية تكيفية. وقد كشفت تحليلات بروتيومية حديثة لتفاعلات الفيروس مع العائل عن نقاط ضعف أيضية يمكن استهدافها علاجيًا، مما يدعم الهدفين الثالث والثالث عشر .

وفي كليات العلوم الطبية التطبيقية، فإن إدماج مفاهيم الاستدامة في مناهج الكيمياء الحيوية يُعدّ الطلاب ليكونوا قادرين على التفكير بما يتجاوز حدود المختبر. إذ يحتاج الطلبة إلى فهم كيفية تأثير الآليات الجزيئية في السياسات الصحية العالمية، والتعرّضات البيئية، والعوامل الاجتماعية الاقتصادية المسببة للأمراض. ويحوّل هذا النهج الشامل الكيمياء الحيوية من مجال تحليلي بحت إلى منبع لأفكار ابتكارية طويلة الأمد.

وخلاصة القول، إن الكيمياء الحيوية تمثل لغة علمية مشتركة تربط بين صحة الإنسان، وحماية البيئة، والطاقة النظيفة، والتعليم الجيد. ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة، نحتاج إلى تغيير السياسات، وإلى فهم جزيئي دقيق لكيفية تأثير العوامل البيئية ونمط الحياة في وظائف الخلايا. ويمكن للعلوم الطبية التطبيقية أن تسهم في تعزيز نظم الرعاية الصحية عبر تشجيع الوقاية، والتغذية الصحية، والممارسات المخبرية الخضراء، والتعليم متعدد التخصصات. فالاستدامة ليست خيارًا، بل ضرورة كيميائية حيوية تمتد من الميتوكوندريا إلى النظم الصحية العالمية.

References

1.           Organization WH. Noncommunicable diseases progress monitor 2025: World Health Organization; 2025.

2.           Li R, Zhou R, Zhang J. Function of PM2. 5 in the pathogenesis of lung cancer and chronic airway inflammatory diseases. Oncology letters. 2018;15(5):7506-14.

3.           Calder PC. Nutrition, immunity and COVID-19. BMJ nutrition, prevention & health. 2020;3(1):74.

4.           Tosti V, Bertozzi B, Fontana L. Health benefits of the Mediterranean diet: metabolic and molecular mechanisms. The Journals of Gerontology: Series A. 2018;73(3):318-26.

5.           Miller MR, Shaw CA, Langrish JP. From particles to patients: oxidative stress and the cardiovascular effects of air pollution. Future cardiology. 2012;8(4):577-602.

6.           Vilmala BK, Karniawati I, Suhandi A, Permanasari A, Khumalo M. A literature review of education for sustainable development (ESD) in science learning: What, why, and how. Journal of Natural Science and Integration. 2022;5(1):35.

7.           Olver P, Bohn MK, Adeli K. Central role of laboratory medicine in public health and patient care. Clinical Chemistry and Laboratory Medicine (CCLM). 2023;61(4):666-73.

8.           Plebani M, Cadamuro J, Vermeersch P, Jovičić S, Ozben T, Trenti T, et al. A vision to the future: value-based laboratory medicine. Clinical Chemistry and Laboratory Medicine (CCLM). 2024;62(12):2373-87.

9.           Mulvihill MJ, Beach ES, Zimmerman JB, Anastas PT. Green chemistry and green engineering: a framework for sustainable technology development. Annual review of environment and resources. 2011;36(1):271-93.

10.         Darweesh M, Mohammadi S, Rahmati M, Al-Hamadani M, Al-Harrasi A. Metabolic reprogramming in viral infections: the interplay of glucose metabolism and immune responses. Frontiers in Immunology. 2025;16:1578202.